ابن رشد
221
بداية المجتهد ونهاية المقتصد
ملكا للراهن لا عند مالك ولا عند الشافعي ، بل قد يجوز عندهما أن يكون مستعارا . واتفقوا على أن من شرطه أن يكون إقراره في يد المرتهن من قبل الراهن . واختلفوا إذا كان قبض المرتهن له بغصب ثم أقره المغصوب منه في يده رهنا ، فقال مالك : يصح أن ينقل الشئ المغصوب من ضمان الغصب إلى ضمان الرهن ، فيجعل المغصوب منه الشئ المغصوب رهنا في يد الغاصب قبل قبضه منه وقال الشافعي : لا يجوز بل يبقى على ضمان الغصب إلا أن يقبضه . واختلفوا في رهن المشاع ، فمنعه أبو حنيفة وأجازه مالك والشافعي والسبب في الخلاف : هل تمكن حيازة المشاع أم لا تمكن ؟ الركن الثالث : وهو الشئ المرهون فيه ، وأصل مذهب مالك في هذا أنه يجوز أن يؤخذ الرهن في جميع الأثمان الواقعة في جميع البيوعات إلا الصرف ورأس المال في السلم المتعلق بالذمة ، وذلك لان الصرف من شرطه التقابض . فلا يجوز فيه عقدة الرهن ، وكذلك رأس مال السلم وإن كان عنده دون الصرف في هذا المعنى . وقال قوم من أهل الظاهر : لا يجوز أخذ الرهن إلا في السلم خاصة : أعني في المسلم فيه ، وهؤلاء ذهبوا إلى ذلك لكون آية الرهن واردة في الدين في المبيعات وهو السلم عندهم ، فكأنهم جعلوا هذا شرطا من شروط صحة الرهن ، لأنه قال في أول آية : * ( يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه ) * ثم قال : * ( وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة ) * فعلى مذهب مالك يجوز أخذ الرهن في السلم وفي القرض وفي قيم المتلفات وفي أروش الجنايات في الأموال ، وفي جراح العمد الذي لا قود فيه كالمأمومة والجائفة . وأما قتل العمد والجراح التي يقاد منها فيتخرج في جواز أخذ الرهن في الدية فيها إذا عفا الولي قولان : أحدهما : أن ذلك يجوز ، وذلك على القول بأن الولي مخير في العمد بين الدية والقود . والقول الثاني : أما ذلك لا يجوز ، وذلك أيضا مبني على أن ليس للولي إلا القود فقط إذا أبى الجاني من إعطاء الدية . ويجوز في قتل الخطأ أخذ الرهن ممن يتعين من العاقلة وذلك بعد الحلول ، ويجوز في العارية التي تضمن ، ولا يجوز فيما لا يضمن ، ويجوز أخذه في الإجارات ، ويجوز في الجعل بعد العمل ، ولا يجوز قبله ، ويجوز الرهن في المهر ، ولا يجوز في الحدود ولا في القصاص ولا في الكتابة ، وبالجملة فيما لا تصح فيه الكفالة . وقالت الشافعية : المرهون فيه له شرائط ثلاث : أحدها : أن يكون دينا ، فإنه لا يرهن في عين . والثاني : أن يكون واجبا ، فإنه لا يرهن قبل الوجوب ، مثل أن يسترهنه بما يستقرضه ، ويجوز ذلك عند مالك . والثالث : أن لا يكون لزمه متوقعا أن يجب ، وأن لا يجب كالرهن في الكتابة ، وهذا المذهب قريب من مذهب مالك .